مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

أعلامٌ لا يُنسَون .. الغمراوي : رائد دراسات الإعجاز العلمى


منذ زمن بعيد تراودني فكرة الكتابة عن علماء ومفكرين كان لكتبهم وأفكارهم أثرٌ عميق في تكويني؛ وجدانًا قبل أن يكون فكرًا ومعرفة. وقد آن الأوان لأن ترى هذه الفكرة النور، فأخصص لكل واحد من هؤلاء الأعلام وقفةً تستعرض شيئًا من سيرته، وتلقي الضوء على أبرز إنتاجه العلمي والفكري، وما تركه من أثرٍ في الحياة الثقافية والفكرية.
ولئن كانت الذاكرة الثقافية تحتفظ بأسماء لامعة، فإن كثيرًا من العلماء والمفكرين الذين أسهموا في بناء الوعي الحديث لا يزالون بعيدين عن معرفة قطاع واسع من القراء، على الرغم من عطاءاتهم الفذة وإسهاماتهم التي تجاوزت حدود زمانهم ومكانهم. هؤلاء هم حقًا أعلامٌ لا يُنسَون؛ لأن العلم الصادق يبقى أثره، وتظل سير أصحابه منارات تهدي الأجيال، وتلهم الباحثين، وتضيء دروب المعرفة.
ومن هنا تأتي هذه السلسلة محاولةً للوفاء لهؤلاء الرواد، واستعادة صفحات مضيئة من حياتهم، وقراءة منجزهم العلمي والفكري قراءةً تُبرز قيمته، وتكشف جانبًا من رحلتهم مع العلم، وما حفلت به من جهدٍ ومثابرة وإبداع.

                  (1) ** الدكتور محمد أحمد الغمراوي **
                     _ رائد دراسات الإعجاز العلمى _

                  
كان من أوائل من لفتوا انتباهي إلى هذا الباب.. الدكتور محمد أحمد الغمراوي. وكان كاتبًا رشيق العبارة، قصير الجملة، مركز المعنى، حسن التأتي، جزل اللفظ. عرفته أول مرة منذ سنوات طويلة من خلال كتابه «الإسلام في عصر العلم»، فوجدتني أمام عقل يجمع بين دقة العالم وروح المؤمن، ويقف عند الإشارات الكونية في القرآن الكريم وقفات المتأمل المدقق، فيستخرج منها ما يفتح أمام القارئ آفاقًا جديدة للتفكير والتدبر.
وقد أدهشتني رؤيته، لا لأنها كانت تنطلق من معارف علمية واسعة فحسب، بل لأنها كانت تقدم نموذجًا متزنًا في قراءة العلاقة بين الوحي والعلم، بعيدًا عن الإفراط في التأويل أو التسرع في الاستنتاج. ومنذ ذلك الحين أصبح الدكتور محمد أحمد الغمراوي نافذتي إلى هذا الباب من أبواب المعرفة، وإلى كثير من الخير.
ولم يكن الغمراوي مؤلفًا عاديًا، بل كان صاحب مشروع فكري متكامل، جمع فيه بين الثقافة الإسلامية العميقة والتكوين العلمي الدقيق، فقدم نموذجًا للعالم الذي يرى في الكون كتابًا مفتوحًا يدعو إلى التأمل، وفي القرآن الكريم هدايةً تقود العقل إلى اكتشاف سنن الله في الخلق، دون أن يخلط بين حقائق الوحي ومتغيرات النظريات العلمية.
ويُعد الدكتور محمد أحمد الغمراوي واحدًا من أبرز المفكرين المصريين الذين سعوا في القرن العشرين إلى بناء جسر معرفي بين الإسلام والعلم الحديث. فقد آمن بأن الإسلام دين يدعو إلى التفكير والبحث، وأن الحضارة الإسلامية لم تعرف يومًا تعارضًا حقيقيًا بين الإيمان الصحيح والعلم الصحيح، بل كان ازدهارها العلمي ثمرة مباشرة لروح القرآن الكريم التي تحث على النظر في الكون واكتشاف سننه.
ولد الدكتور محمد أحمد الغمراوي بمدينة زفتى بمحافظة الغربية في التاسع من يونيو سنة 1893م، وأتم حفظ القرآن الكريم وهو في الثالثة عشرة من عمره، وجمع منذ نشأته بين الثقافة الدينية والعلمية، وكان الأول على فرقته في جميع مراحل دراسته.
حصل على البكالوريا سنة 1911م، ثم التحق بدار المعلمين، ونال شهادة المعلمين العليا عام 1914م بتفوق، ورُشح لبعثة وزارة المعارف إلى إنجلترا، غير أن ظروف الحرب العالمية الأولى أخرت سفره، فسافر بعد انتهائها، وظل هناك حتى حصل على بكالوريوس العلوم من جامعة لندن سنة 1922م، كما نال في العام نفسه شهادة الزمالة من جامعة نوتنجهام، ثم أوفد مرة أخرى إلى إنجلترا عام 1924م لاستكمال دراسته.
عمل مدرسًا، ثم مفتشًا بوزارة الصحة، قبل أن يُعيَّن مدرسًا للكيمياء بكلية الطب والصيدلة عام 1928م. وفي عام 1932م انتدب للتدريس بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، حيث أنشأ ودرَّس لأول مرة مقررًا جديدًا بعنوان «سنن الله الكونية» لطلاب الدراسات العليا، وهو المقرر الذي أصبح فيما بعد كتابًا يحمل الاسم نفسه، ويُعد من أوائل المؤلفات التي تناولت العلاقة بين السنن الكونية والهداية القرآنية بمنهج علمي.
وكان يؤدي هذه المهمة العلمية دون أن يتقاضى عنها أجرًا، وقد روى بعض تلاميذه أنه كان يحضر لإلقاء محاضراته حتى في أشد أيام المطر، ولا يعتذر عن الحضور، إيمانًا منه برسالته العلمية، وإحساسًا بعظم الأمانة التي يحملها.
وتدرج في المناصب العلمية حتى أصبح أستاذًا للكيمياء، ثم اختير عضوًا بالمجمع الملكي للغة العربية عام 1943م، كما كان عضوًا بارزًا بمجمع البحوث الإسلامية. وبعد إحالته إلى التقاعد واصل عطاؤه العلمي أستاذًا متفرغًا بكلية الصيدلة حتى عام 1960م، ثم دُعي إلى المملكة العربية السعودية، فأنشأ أول كلية للصيدلة بها، وتولى عمادتها ثلاث سنوات، قبل أن يعود إلى مصر أستاذًا زائرًا بكلية أصول الدين، مواصلًا تدريس مادة «سنن الله الكونية» لطلاب الدراسات العليا حتى وفاته سنة 1971م.
..
رائد مدرسة الإعجاز العلمي
قبل الوقوف على رؤية الدكتور محمد أحمد الغمراوي في قضية الإعجاز العلمي، كما عرضها في كتابه الأشهر «الإسلام في عصر العلم»، يجدر التذكير بأن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم يمثل أحد أبرز ميادين البحث القرآني المعاصر، وأكثرها إثارةً للنقاش بين العلماء والباحثين؛ إذ تباينت المواقف حوله بين مؤيد يرى فيه وجهًا متجددًا من وجوه إعجاز القرآن، ومعارض يتخوف من تجاوز حدود التفسير أو من ربط النص القرآني بفرضيات علمية قابلة للتغيير. غير أن هذا الخلاف لا ينال من أهمية القضية، بل يعكس طبيعة البحث العلمي القائم على الاجتهاد وتعدد الرؤى، وهي سنة ملازمة للفكر الإنساني في مختلف العصور.
وقد استند المؤيدون إلى أن القرآن الكريم، وإن كان كتاب هداية وإصلاح وعقيدة وتشريع، لا كتابًا لتدريس العلوم الطبيعية، فإنه يشتمل على عدد كبير من الآيات الكونية التي صيغت بألفاظ دقيقة وعبارات جامعة، تحمل من الدلالات ما يتجاوز ما أدركه الإنسان زمن التنزيل، وتنكشف أبعاده تباعًا كلما تقدمت وسائل البحث واتسعت دائرة المعرفة. ومن هنا فإن وظيفة العلم ليست إخضاع القرآن لمعارفه، وإنما الكشف عن بعض ما تتضمنه هذه الآيات من حقائق حين تبلغ الاكتشافات الإنسانية درجة اليقين والاستقرار.
ويذهب أنصار هذا الاتجاه إلى أن الإعجاز العلمي ليس بديلًا عن الإعجاز البياني أو التشريعي أو الغيبي، وإنما هو أحد الوجوه التي تتكامل بها دلالة القرآن على مصدره الإلهي، ويتميز بأنه يتجدد مع تعاقب الأزمنة واتساع آفاق المعرفة البشرية. كما يؤكدون أن هذا اللون من الإعجاز لا يقوم على تتبع النظريات المتغيرة أو تحميل النصوص ما لا تحتمل، بل يعتمد على الحقائق العلمية الراسخة التي ثبتت بالتجربة والمشاهدة، مع الالتزام بأصول اللغة العربية وقواعد التفسير المعتبرة. وبهذا يصبح التفسير العلمي وسيلة لإبراز ما في الآيات الكونية من دلالات، لا لإقحام العلوم الحديثة في ألفاظ القرآن أو ليِّ معانيها، وهو ما يقتضي تعاون علماء الشريعة واللغة والعلوم الكونية حتى يأتي الفهم منضبطًا بمنهج علمي رصين.
وقد لقي هذا الاتجاه تأييدًا من عدد كبير من علماء التفسير واللغة والعلوم الطبيعية قديمًا وحديثًا، ورأوا أن توافق الإشارات القرآنية مع الحقائق الكونية المكتشفة يبرهن على سبق القرآن إلى تقريرها، ويمنح الخطاب الإسلامي قوة إضافية في مخاطبة إنسان العصر الذي أصبح العلم التجريبي أحد أهم مداخل قناعته. وفي المقابل، فإن أكثر الاعتراضات التي وُجهت إلى الإعجاز العلمي لم تكن رفضًا لمبدأ وجود الإشارات الكونية في القرآن، بقدر ما كانت تحذيرًا من المبالغة أو التسرع في ربط النصوص بالنظريات غير المستقرة أو تحميلها ما لا يدل عليه ظاهرها. ومن ثم فإن الاتجاه المعتدل الذي استقر عليه كثير من الباحثين يقرر أن القرآن سيظل كتاب هداية في المقام الأول، وأن ما يورده من حقائق كونية إنما يأتي شاهدًا على قدرة الله تعالى، وداعيًا إلى التأمل في الكون، ومؤكدًا لصدق الوحي، مع بقاء المجال مفتوحًا أمام تقدم العلم ليكشف، جيلًا بعد جيل، عن أبعاد جديدة لهذه الإشارات دون أن يستنفد دلالاتها أو يحيط بأسرارها إحاطة كاملة.
وفي هذا الإطار تبرز أهمية تجربة الدكتور محمد أحمد الغمراوي، الذي يُعد من أوائل العلماء الذين تناولوا هذه القضية بمنهج يجمع بين الثقافة الشرعية والمعرفة العلمية، فجاءت آراؤه امتدادًا لهذا الاتجاه المؤيد للإعجاز العلمي، والمنادي بضبطه بضوابط البحث العلمي وأصول التفسير.
ولم يكن الغمراوي يدعو إلى جعل القرآن الكريم كتابًا في الفيزياء أو الفلك أو الطب، وإنما كان يرى أن القرآن أقام منذ نزوله أساسًا معرفيًا يجعل البحث العلمي عبادة، والتفكير في الكون سبيلًا إلى معرفة الخالق، وأن الحضارة الإسلامية كانت سباقة إلى إرساء المنهج التجريبي الذي قامت عليه النهضة العلمية الحديثة.
وانطلق من حقيقة تاريخية مؤداها أن علماء المسلمين لم يروا يومًا تعارضًا بين المختبر والمسجد، ولا بين العقل والنقل، بل جمعوا بين الإيمان العميق والبحث العلمي الدقيق، وأسهموا في بناء الحضارة الإنسانية في الطب والكيمياء والفلك والرياضيات والبصريات وسائر العلوم.
ولهذا لم يكن مشروعه الفكري مجرد دفاع عن الإسلام، وإنما كان رؤية حضارية متكاملة تؤكد أن التخلف العلمي الذي أصاب العالم الإسلامي لم يكن نتيجة تعاليم الإسلام، بل نتيجة الابتعاد عن المنهج الذي دعا إليه الإسلام نفسه، والقائم على العلم والعمل والنظر والتدبر.
وكان الغمراوي يخاطب القارئ بلغة تجمع بين الثقافة الشرعية والمعرفة العلمية، ويستند إلى الوقائع التاريخية والشواهد العلمية أكثر من اعتماده على الخطابة أو الجدل العاطفي، ولذلك جاءت كتاباته أقرب إلى الدراسات الفكرية الرصينة منها إلى المؤلفات الوعظية.
كما أولى عناية خاصة بإبراز دعوة القرآن الكريم إلى التأمل في خلق السماوات والأرض، وتعاقب الليل والنهار، وخلق الإنسان، ونظام الحياة، مبينًا أن هذه الدعوة القرآنية كانت المنطلق الحقيقي للحركة العلمية في الحضارة الإسلامية، غير أنه لم يتعامل مع الآيات الكونية بوصفها معادلات علمية جامدة، وإنما بوصفها آيات مفتوحة تحفز العقل على البحث والكشف عن سنن الله في الكون.
ومن هنا تناول قضية الإعجاز العلمي بمنهج يتسم بالاعتدال؛ فكان يرى أن توافق بعض الاكتشافات العلمية مع ما ورد في القرآن الكريم يزيد المؤمن يقينًا، ويكشف جانبًا من عظمة الوحي، لكنه كان يحذر في الوقت نفسه من ربط تفسير القرآن بالنظريات العلمية المتغيرة؛ لأن العلم يتطور باستمرار، بينما يظل القرآن كتاب هداية خالدًا لكل زمان ومكان.
ومن ثم فإن قيمة مشروعه الفكري لا تكمن في استعراض النظريات العلمية، وإنما في تأصيل العلاقة الصحيحة بين الدين والعلم، وإبراز أن الإسلام لا يعادي التفكير الحر، ولا يخشى نتائج البحث العلمي الصادق، بل يدعو إليه ويجعله سبيلًا إلى عمران الأرض واكتشاف قوانين الكون.
ويمثل اتجاه الغمراوي امتدادًا لمدرسة فكرية واسعة من مفكري النهضة العربية والإسلامية في القرن العشرين، الذين سعوا إلى إزالة الصورة التي رسخت في الفكر الغربي عن وجود صراع حتمي بين الدين والعلم، مؤكدين أن تلك التجربة كانت مرتبطة بتاريخ أوروبا، ولا تنطبق على الحضارة الإسلامية التي احتضنت العلماء، وشجعت المعرفة، وجعلت طلب العلم عبادة.
ولهذا بقي فكر الدكتور محمد أحمد الغمراوي محتفظًا بقيمته حتى اليوم؛ لأنه لا يقوم على ردود الأفعال، وإنما على رؤية عقلية تستند إلى التاريخ والعلم والمنطق، وتدعو إلى استعادة روح الاجتهاد العلمي التي صنعت ازدهار الحضارة الإسلامية، وإلى بناء علاقة صحيحة بين الوحي والعلم، يكون فيها الوحي هاديًا للقيم والغاية، ويكون العلم أداة لاكتشاف الكون وتسخير قوانينه لخدمة الإنسان.
..
«الإسلام في عصر العلم»... كتابٌ سبق عصره
تجلت رؤية الدكتور محمد أحمد الغمراوي الفكرية بأوضح صورها في كتابه الأشهر «الإسلام في عصر العلم»، الذي يُعد من أهم المؤلفات العربية التي تناولت العلاقة بين الإسلام والعلم بروح علمية هادئة، بعيدة عن الصدام، وقريبة من منهج البرهان العقلي والاستدلال العلمي.
وقد صدر الكتاب بعنوان: «الإسلام في عصر العلم: الرسالة والرسول والقرآن والإعجاز العلمي» في عدة طبعات، وصدر عن دار الكتب الحديثة، ثم أعادت دار الإنسان للتأليف والترجمة والنشر طباعته في طبعات لاحقة.
ولم يكتب الغمراوي هذا الكتاب ليجعل القرآن الكريم كتابًا في الفيزياء أو الفلك أو الطب، وإنما أراد أن يبين أن الإسلام أقام منذ نزوله أساسًا معرفيًا يجعل البحث العلمي عبادة، والتفكير في الكون وسيلة إلى معرفة الخالق، وأن الحضارة الإسلامية كانت سباقة إلى إرساء المنهج التجريبي الذي قامت عليه النهضة العلمية الحديثة.
وقد حمل على عاتقه في هذا الكتاب عرض بحوث الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية، والدفاع عن الإسلام بلغة يفهمها أبناء العصر، وتعريف الشباب بعظمة الإسلام وإعجازه، وتثبيت الإيمان في القلوب من خلال مخاطبة العقل قبل العاطفة.
ويرى الغمراوي أن القرآن الكريم، إلى جانب إعجازه البياني واللغوي الذي أفاض العلماء في بيانه، يشتمل كذلك على إعجاز علمي ثابت، وأن الاقتصار على نوع واحد من الإعجاز دون الآخر لا يعبر عن الصورة الكاملة لعظمة القرآن الكريم؛ فالقرآن – في تعبيره البليغ – «كونُ الله المسطور، والكونُ كلامُ الله المنشور».
وينطلق الكتاب من حقيقة تاريخية مؤداها أن كثيرًا من علماء المسلمين لم يروا تعارضًا بين الإيمان والبحث العلمي، بل جمعوا بين المسجد والمختبر، وأسهموا في بناء الحضارة الإنسانية في الطب والكيمياء والفلك والرياضيات والبصريات وغيرها من العلوم.
ولذلك لا يقف الكتاب عند حدود الدفاع عن الإسلام، وإنما يقدم رؤية حضارية تؤكد أن أسباب التخلف العلمي في العالم الإسلامي ترجع إلى الابتعاد عن المنهج الذي دعا إليه الإسلام، لا إلى تعاليم الإسلام نفسها.
ومن أبرز القضايا التي تناولها الكتاب:
الدفاع عن الإسلام في مواجهة الفلسفات المادية والإلحاد.
بيان العلاقة بين الدين والعلم، وأنهما لا يتعارضان إذا فُهم كل منهما في مجاله الصحيح.
عرض دلائل النبوة والرسالة بأسلوب يجمع بين البرهان العقلي والنصوص الشرعية.
مناقشة عدد من القضايا الكونية والطبيعية في ضوء العلوم المعروفة في عصر المؤلف.
الرد على الشبهات التي أثارها بعض المستشرقين والمفكرين الغربيين حول القرآن الكريم والسنة النبوية.
كما أبرز المؤلف أن القرآن الكريم يدعو الإنسان إلى التأمل في خلق السماوات والأرض، وتعاقب الليل والنهار، وبناء الإنسان، ونظام الحياة، وأن هذه الدعوة كانت منطلقًا للحركة العلمية في الحضارة الإسلامية، لكنه لم يتعامل مع الآيات الكونية بوصفها معادلات علمية جامدة، وإنما بوصفها آيات مفتوحة تدعو إلى البحث والكشف عن سنن الله في الكون.
ومن القضايا المهمة التي تناولها كذلك قضية خلق الكون، واتساع السماوات، وإمكان وجود عوالم أخرى، محاولًا قراءة ما كان معروفًا من العلوم الحديثة في عصره في ضوء الآيات القرآنية. ومع ذلك فإن بعض المناقشات العلمية الواردة في الكتاب تعكس معارف النصف الأول من القرن العشرين، وهو أمر طبيعي في كل عمل علمي يرتبط بزمنه، بينما بقيت القيمة الفكرية للكتاب راسخة في منهجه، وطريقته في بناء الحوار بين الإيمان والعلم.
ولذلك ظل كتاب «الإسلام في عصر العلم» محتفظًا بمكانته بين الكتب الرائدة؛ لأنه لا يعتمد على الخطابة أو الانفعال، وإنما يقدم رؤية عقلية تستند إلى التاريخ والعلم والمنطق، وتدعو إلى استعادة روح الاجتهاد العلمي التي صنعت ازدهار الحضارة الإسلامية.
ومن ثم يبقى هذا الكتاب أحد أبرز الكتب المؤسسة للفكر الإسلامي المعاصر في مجال العلاقة بين الدين والعلم؛ لأنه لم يكتف بإثبات إمكان التوافق بينهما، بل سعى إلى تأسيس رؤية حضارية تجعل المعرفة العلمية جزءًا من رسالة الإنسان في الاستخلاف وعمارة الأرض، وهي رؤية ما تزال قادرة على إلهام الباحثين والمفكرين في عصر تتسارع فيه الاكتشافات العلمية، وتتجدد فيه الأسئلة حول علاقة الإيمان بالمعرفة.

مواقفه الفكرية وإنتاجه العلمي
لم يكن الدكتور محمد أحمد الغمراوي باحثًا أكاديميًا فحسب، بل كان صاحب موقف فكري واضح في الدفاع عن القرآن الكريم، وعن مكانة الوحي، وعن المنهج الإسلامي في النظر إلى العلم والمعرفة. ومن أبرز الشواهد على ذلك رده العلمي المطول على ما أورده الدكتور زكي مبارك في كتابه «النثر الفني في القرن الرابع الهجري»، حيث رأى الغمراوي أن ما تضمنه الكتاب من آراء حول القرآن الكريم يخالف ما يُعرف من الدين بالضرورة.
وقد نشر سلسلة من الدراسات المطولة في مجلة «الرسالة» سنة 1944م، ناقش فيها تلك الآراء، ورأى أن الدعوة إلى إنكار إعجاز القرآن، أو الزعم بأنه من كلام البشر، أو أن الأديان جميعًا من صنع البيئة، تمثل خروجًا على أصول العقيدة الإسلامية، فتصدى لها بالحجة والبرهان، في أسلوب يجمع بين المعرفة الشرعية والتحليل العقلي.
وكان الغمراوي يرى أن الدفاع عن الإسلام لا يكون بالشعارات، وإنما بإقامة الدليل، وباللغة التي يفهمها أبناء العصر؛ ولذلك جاءت معظم مؤلفاته محاولة لإبراز انسجام الإسلام مع العقل، وتأكيد أن الوحي الصحيح لا يتعارض مع العلم الصحيح.
ولم يكن إنتاج الغمراوي العلمي محدودًا بكتاب أو كتابين، بل ترك عددًا كبيرًا من المؤلفات التي دارت معظمها حول العلاقة بين الإسلام والعلم، والدفاع عن القرآن الكريم، وإبراز منهج الإسلام في النظر إلى الكون والحضارة، ومن أبرزها:
ومن أبرز مؤلفاته:
الإسلام في عصر العلم.
الإسلام في عصر الذرة.
الإسلام والطب الحديث.
العلم والإيمان.
الإسلام والحضارة الحديثة.
القرآن والعلم.
الله والعلم الحديث.
العلم في القرآن الكريم.
الإسلام وقضايا العصر.
الإسلام والمدنية الحديثة.
من سنن الله الكونية.
الطريقة المثلى للحفاظ على كرامة الإسلام.
النقد التحليلي لكتاب الأدب الجاهلي.
كما راجع ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الإنجليزية مع صديقه المستشرق المسلم مرمادوك بكتول، وأسهم في مراجعة هذا العمل المهم، إلى جانب عشرات المقالات والدراسات العلمية والفكرية التي نشرت في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وتناولت قضايا العلم والإيمان والإعجاز والحضارة الإسلامية.
وامتد أثره العلمي إلى أجيال من الباحثين وطلاب العلم، وتتلمذ عليه عدد من الأعلام، وكان مثالًا للعالم الذي جمع بين التخصص العلمي الدقيق، والثقافة الإسلامية العميقة، والإيمان برسالة العلم في خدمة الإنسان.
وتمتاز كتابات الغمراوي بأسلوب يجمع بين دقة العالم وبلاغة الأديب؛ فهو لا يرهق القارئ بالمصطلحات العلمية الجافة، ولا يكتفي بالإنشاء الخطابي، وإنما يصوغ الفكرة في لغة واضحة رصينة، تتدرج بالقارئ من المعلومة إلى النتيجة، ومن الدليل إلى الإقناع، وهو ما منح كتبه قدرة على مخاطبة المتخصص والقارئ العام في آن واحد.
وقد أفاد من منهجه كثير من الباحثين الذين جاءوا بعده في مجال الإعجاز العلمي، وإن اختلفوا في بعض التطبيقات، وظلت أفكاره منطلقًا لعدد من الدراسات التي سعت إلى بيان العلاقة بين الوحي والعلم، مما يجعل الغمراوي أحد المؤسسين الحقيقيين لهذا الاتجاه في الفكر الإسلامي المعاصر.
حين نقرأ للدكتور محمد أحمد الغمراوي اليوم، لا نقرأ مجرد صفحات من تاريخ الفكر الإسلامي، وإنما نقرأ تجربة عالم سبق عصره في إدراك أهمية الحوار بين الوحي والعلم، وبين الإيمان والعقل. وقد استطاع أن يقدم نموذجًا للعالم المسلم الذي لم ير في الاكتشاف العلمي تهديدًا للدين، ولم ير في الدين عائقًا أمام البحث العلمي، بل رأى أن كليهما طريق إلى معرفة الله، وإعمار الكون، وخدمة الإنسان.
ولعل هذا هو السر في بقاء أثره حيًا بعد أكثر من نصف قرن على رحيله؛ فما تركه من كتب ودراسات لم يكن دفاعًا عابرًا عن فكرة، بل كان مشروعًا فكريًا متكاملًا، أسهم في تأسيس مدرسة علمية ما زالت تلهم الباحثين، وتدعو إلى قراءة الكون في ضوء الوحي، وقراءة الوحي بعقل متدبر، ومنهج رصين.
وربما كان من الإنصاف اليوم أن يُعاد تقديم تراث الدكتور محمد أحمد الغمراوي إلى الأجيال الجديدة، وأن تُعاد طباعة مؤلفاته، وتُدرس تجربته بوصفها إحدى المحاولات العربية الرائدة في بناء حوار متوازن بين الدين والعلم؛ فهي تجربة لم تقم على الانبهار بالعلم ولا على الانغلاق دونه، وإنما قامت على الإيمان بأن الوحي الصحيح والعقل الصريح لا يتعارضان، وأن البحث العلمي الصادق سبيل من سبل معرفة سنن الله في الكون.
رحم الله الأستاذ الدكتور محمد أحمد الغمراوي، وجزاه عن الإسلام والعلم خير الجزاء، وجعل ما تركه من علم نافع في ميزان حسناته، وبقي اسمه بحق واحدًا من الأعلام الذين لا يُنسَون.